السيد عبد الأعلى السبزواري

166

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

فالحق أن يقال : إنّ المراد من الجمع والتأكيد الإضافي منهما أي ما كان في عصر خلق آدم ( عليه السّلام ) ، وما كان مورد احتياجه في مدة حياته ثم بعد ذلك استحدثت لغات ولهجات وألفاظ بالجعل والوضع تخصيصا أو تخصصا ، وهذا هو الذي يمكن استفادته من مجموع الروايات بعد رد بعضها إلى بعض ، وهو قريب من الأذهان ، وبه يمكن الجمع بين بعض الوجوه المتقدمة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 34 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 34 ) بعد أن جعل اللّه تعالى آدم ( عليه السّلام ) خليفة له ، وبيّن فضله بما علّمه وجعله معلما لملائكته أمرهم بالسجود له ، وهذه فضيلة أخرى لآدم ( عليه السّلام ) . التفسير السجود هو التذلل والخضوع ، وفي الشريعة وضع الجبهة على الأرض خضوعا للّه تعالى ، وبينه وبين المعنى اللغوي جامع قريب في التذلل . وهو تارة اختياري تعبدي على الوجه المعروف لدى المسلمين يوجب الثواب على الموافقة والعقاب على المخالفة ، كقوله تعالى : فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [ سورة النجم ، الآية : 62 ] . وأخرى : تسخيري تكويني . كسجود المخلوقات كما في قوله تعالى : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [ سورة الرعد ، الآية : 15 ] . ومادة ( بلس ) سواء أكانت عربية أم معربة تدل على الحزن العارض من شدة اليأس ، ويلازمه اليأس من الروح والراحة . قال تعالى : أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [ سورة الأنعام ، الآية : 44 ] ولعل حزن إبليس الدائم . ويأسه الأبدي حصل من قوله تعالى : فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ [ سورة الحجر ، الآية : 34 ] فإن الرجم واللعن الأبدي من منبع الجود والرحمة من المبغوضات لكل ذي شعور .